Amna

July 4, 2021

كيف تعمل بجد - بول جراهام

المقال الأصلي: http://paulgraham.com/hwh.html 

يونيو 2021

قد لا يبدو أن هناك الكثير لنتعلمه حول كيفية العمل الجاد. يعرف كل من ذهب إلى المدرسة ما يتطلبه ذلك، حتى لو اختار عدم القيام به. هناك أطفال في الثانية عشرة من العمر يعملون بجد بشكل مثير للدهشة. ومع ذلك، عندما أُسأل عما إذا كنتُ أعرف المزيد عن العمل الجاد الآن أكثر مما كنتُ أعرفه عندما كنت في المدرسة، فإن الإجابة هي بالتأكيد نعم.

أعرف على وجه اليقين أنه إذا كنت تريد القيام بأشياء عظيمة، فعليك أن تعمل بجد. لم أكن متأكدًا من ذلك كطفل. فقد اختلفت الأعمال المدرسية في مستوى الصعوبة، ولم يكن على التلميذ دائمًا أن يعمل بجهد كبير للقيام بعمل جيد فيها. وكان هناك بعض الأشياء التي قام بها المشاهير الكبار، بدا أنهم يقومون بها بدون جهد يذكر. ربما كانت هناك طريقةٌ ما للتهرب من العمل الجاد من خلال الذكاء فقط؟ الآن بتّ أعرف الإجابة على هذا السؤال. لا توجد طريقة لذلك.

السبب الذي جعل بعض المواد المدرسية تبدو سهلة هو أن معايير مدرستي كانت منخفضة. والسبب الذي جعل الكبار الكبار يبدون وكأنهم يفعلون الأشياء دون عناء هو قضاؤهم سنوات في ممارسة تلك الأشياء. جعلوها تبدو سهلة.

بالطبع، كان لدى هؤلاء المشاهير الكبار الكثير من القدرات الطبيعية أيضًا. هناك ثلاث مكونات في العمل الرائع: الموهبة الطبيعية، والممارسة، والجهد. يمكنك القيام بعمل جيد مع اثنين فقط، ولكن لأداء أفضل عمل ممكن، فأنت بحاجة إلى الثلاثة معًا: تحتاج إلى قدرة طبيعية رائعة وأن تكون قد تدربت كثيرًا وأن تبذل جهدًا كبيرًا. [1]

بيل جيتس، على سبيل المثال، كان من بين أذكى الأشخاص في مجال الأعمال في عصره، لكنه كان أيضًا من بين أكثر الأشخاص الذين يعملون بجد. يحكى على لسان جيتس أنه قال "لم آخذ يوم عطلة أبدا في العشرينات من عمري. ولا يوم واحد". بدا الأمر مشابهًا مع ليونيل ميسي. فهو يتمتع بموهبة طبيعية كبيرة، ولكن عندما يتحدث عنه مدربيه في مرحلة شبابه، فإن ما يتذكرونه ليس موهبته، بل تفانيه ورغبته في الفوز. 

إذا كان علي اختيار أفضل كاتب إنجليزي في القرن العشرين، فمن المحتمل أن يحصل بيلهام جرينفيل وودهاوس P.G Wodehouse على تصويتي. في رأيي لم يقدم أي كاتب كتابةً أكثر سهولة في القراءة، في المقابل لم يعمل أحد بجدية أكبر منه. كتب وودهاوس في عمر الرابعة والسبعين متحدثا عن كتبه: "مع كل كتاب جديد من كتبي، ينتابني شعور أصفه بأنني هذه المرة حصدت ليمونة في حديقة الأدب. وهذا شيء جيد حقًا، على ما أعتقد. هذا ما يبقي الشخص متيقظًا ويجعله يعيد كتابة كل جملة عشر مرات أو حتى عشرين مرة في كثير من الحالات".

قد تعتقد أن هذا الصنيع يبدو متطرفًا بعض الشيء. ومع ذلك، يبدو بيل جيتس أكثر تطرفًا. ولا يوم عطلة واحد في عشر سنوات!؟ يتمتع هذان الشخصان (وودهاوس وجيتس) بالقدرات الطبيعية التي يمكن أن يتمتع بها أي شخص، ومع ذلك فقد عملوا أيضًا بجد مثلما يمكن لأي شخص أن يعمل. أنت بحاجة لكلا المكونين (الموهبة والعمل الجاد).

وهذه الحقيقة رغم وضوحها نظريًا، إلا أننا نجد صعوبة في فهمها وتطبيقها عمليًا. هنالك فصل حصري خافت بين الموهبة والعمل الجاد. تأتي هذا الحصرية جزئيًا من الثقافة الشعبية حيث تبدو متعمقة في الفهم الشعبي، وأيضا من حقيقة أن الأشخاص الاستثنائيون نادرون جدًا. مع ندرة وجود الموهبة العظيمة وندرة جدية العمل الشاق، فإن الأشخاص الذين لديهم كلاهما يعد شيئًا نادر الحدوث. معظم الأشخاص الذين تقابلهم والذين يمتلكون مقدار كبير من الموهبة سيكون لديهم مقدار أقل من العمل الجاد، والعكس صحيح. لكنك ستحتاج إلى كليهما إذا كنت تريد أن تكون شخصًا استثنائيًا. وبما أنك لا تستطيع تغيير مقدار الموهبة الطبيعية لديك، فإن القيام بعمل رائع على أرض الواقع يتلخص في العمل الجاد جدًا بأقصى استطاعتك.

من السهل أن تعمل بجد إذا كان لديك أهداف محددة بوضوح مفروضة عليك من جهة خارجية، كما هو الحال في المدرسة. هناك بعض الأساليب للانضباط في العمل الجاد: إذ عليك أن تتعلم ألا تكذب على نفسك، وألا تسوّف (وهو شكل من أشكال الكذب على نفسك)، وألا تشتت انتباهك، وألا تستسلم عندما تسوء الأمور. لكن يبدو أن حتى الأطفال الصغار قادرون على هذا المستوى من الانضباط ، إذا أرادوا ذلك. 

ما تعلمتُه مذ كنت طفلاً هو كيفية العمل نحو أهداف غير محددة بوضوح ولا مفروضة من الخارج. ربما يتعين عليك تعلم كليهما إذا كنت تريد فعل أشياء عظيمة حقًا.

أقل مستوى من الانضباط هو أن تشعر ببساطة أنك يجب أن تعمل دون أن يخبرك أحد بذلك. لقد صرت عندما لا أعمل بجد، تنطلق أجراس الإنذار في رأسي. نعم لا يمكنني التأكد من أنني سأصل إلى أي مكان حتى إذا كنت أعمل بجد، ولكنّي متأكد من أنني لن أصل إلى أي مكان إذا لم أعمل بجد، وهذا الشعور سيء جدًا. [2]

لم تكن هناك لحظة فارقة عندما تعلمت هذا الدرس. كحال معظم الأطفال الصغار، استمتعت بشعور الإنجاز عندما كنت أتعلم أو أفعل شيئًا جديدًا. ومع تقدمي في العمر، تحول هذا إلى شعور بالاشمئزاز عندما لم أكن أحقق أي شيء. اللحظة الوحيدة القابلة للتأريخ بالنسبة لي كانت عندما توقفت عن مشاهدة التلفزيون في سن 13.

العديد من الأشخاص الذين تحدثت معهم يتذكرون أنهم جدّوا في العمل في هذا العمر. عندما سألت باتريك كوليسون متى بدأ يجد الكسل مقيتًا، أجاب في عمر 13 أو 14 تقريبًا. لديّ ذكرى واضحة عن ذلك الوقت بينما كنت جالسًا في غرفة الجلوس، محدقًا في الخارج، وأتساءل لماذا كنت أضيع إجازتي الصيفية. ربما يتغير شيء ما لدى المرء في سن المراهقة. سيكون ذلك التفسير منطقيًا.

الغريب، أن أكبر عقبة أمام العمل بجد كانت -على الأرجح- المدرسة، التي جعلت العمل (أو ما يسمّونه العمل) يبدو مملاً وعديم الجدوى. كان علي أن أتعلم ما هو العمل الحقيقي قبل أن تتملكني الرغبة بالقيام به من صميم قلبي. استغرق ذلك بعض الوقت، لأنه حتى في الكلية، فإن الكثير من العمل يعتبر عديم الجدوى؛ هناك أقسام كاملة لا طائل من ورائها. لكن عندما تعلمت شكل العمل الحقيقي، وجدت أن رغبتي في القيام به تماشت معه تماما كما لو أنهما صُنعا من أجل بعضهما البعض.

أظن أن معظم الناس يجب أن يتعلموا ما هو العمل قبل أن يتمكنوا من حبه. كتب هاردي ببلاغة عن هذا في "اعتذار عالم رياضيات": "لا أتذكر أنني شعرت، كصبي، بأي شغف بالرياضيات، وبالمفاهيم التي ربما كانت لدي عن حياة عالِم رياضيات والتي كانت بعيدة كل البعد عن النبل. فكرت في الرياضيات من حيث الامتحانات والمنح الدراسية: أردت أن أتفوق على الأولاد الآخرين، وبدا أن هذه هي الطريقة التي يمكنني من خلالها القيام بذلك بشكل حاسم". لم يتعلم ماهية الرياضيات حقًا إلا بعد التخرج من الكلية، عندما قرأ كتاب "دورة في التحليل" لكميل جوردان. "لن أنسى أبدًا الدهشة التي قرأت بها هذا العمل الرائع، الذي يعتبر أول إلهام لكثير من علماء الرياضيات من جيلي، وتعلمت لأول مرة عندما قرأته ما تعنيه الرياضيات حقًا".

هناك نوعان مختلفان من التزييف، تحتاج إلى تعلم مجابهتهما من أجل فهم ماهية العمل الحقيقي. الأول هو النوع الذي واجهه هاردي في المدرسة. إذ تتشوه المواد عندما يتم تكييفها لتدريسها للأطفال - غالبًا ما يتم تشويهها لدرجة أنها لا تشبه العمل الذي يقوم به الممارسون الفعليون. [3] النوع الآخر من التزييف تجده متأصلًا في أنواع معينة من العمل. ذلك أن بعض أنواع العمل مزيفة بطبيعتها، أو - في أفضل الأحوال - مجرد انشغال بأعمال غير مهمة.

هنالك نوع من المتانة للعمل الحقيقي. لا يقتصر الأمر على كتابة المبادئ، ولكن كل شيء يبدو ضروريًا في العمل الحقيقي. هذا معيارٌ غامض، لكنه غامض بشكل متعمد، لأنه عليه أن يغطي العديد من الأنواع المختلفة. [4]

بمجرد أن تعرف شكل العمل الحقيقي، عليك أن تتعلم حدّ عدد الساعات التي تقضيها فيه في اليوم. لا يمكنك حل هذه المشكلة ببساطة عن طريق العمل في كل ساعة يقظة، لأنه في العديد من أنواع العمل، هناك نقطة تبدأ بعدها جودة المُنتج في التدهور.

يختلف هذا الحد حسب نوع العمل والشخص. لقد قمتُ بأنواع مختلفة من العمل، وكانت الحدود مختلفة لكل منها. إن حدّي لأنواع الكتابة أو البرمجة الأصعب هو حوالي خمس ساعات في اليوم. بينما كنت أدير شركة ناشئة، كان بإمكاني العمل طوال الوقت. على الأقل لمدة ثلاث سنوات فعلت ذلك؛ إذا استمريت في ذلك لفترة أطول، فلربما كنت سأضطر إلى أخذ إجازات عرضية. [5]

الطريقة الوحيدة لإيجاد الحد هي عبوره. قم بتنمية الحساسية تجاه جودة العمل الذي تقوم به، وبعد ذلك ستلاحظ ما إذا كان ينخفض ​​لأنك تعمل بجد لفترة طويلة. الصدق أمر بالغ الأهمية هنا، في كلا الاتجاهين: عليك أن تلاحظ عندما تتصرف بكسل، وأيضًا عندما تعمل بجد بشكل مبالغ فيه. وإذا كنت تعتقد أن هناك شيئًا مثيرًا للإعجاب حول العمل الجاد جدًا، فاخرج هذه الفكرة من رأسك. أنت لا تحصل على نتائج أسوأ فحسب، بل تحصل عليها لأنك تباهى - إن لم يكن للآخرين، فعندئذٍ لنفسك. [6]

إن العثور على حدّ العمل الجاد هو عملية مستمرة، وليس شيئًا تفعله مرة واحدة فقط. يمكن أن تختلف كل من صعوبة العمل وقدرتك على القيام به من ساعة إلى أخرى، لذلك عليك أن تحكم باستمرار على مدى صعوبة المحاولة ومدى أدائك الجيد.

ومع ذلك، فإن المحاولة الجادة لا تعني دفع نفسك باستمرار للعمل. قد يكون هناك بعض الأشخاص الذين يفعلون ذلك، لكنني أعتقد أن تجربتي نموذجية إلى حدٍ ما، ولا يتعين علي دفع نفسي إلا من حين لآخر عندما أبدأ مشروعًا أو عندما أضطر لفحص الاداء. هنالك أقع في خطر التسويف. ولكن بمجرد أن أبدأ العمل، أجدُني ميّالًا إلى الاستمرار فيه.

ما يجعلني أستمر في العمل الجاد يعتمد على نوع العمل. عندما كنت أعمل في موقع Viaweb، كنت مدفوعًا بالخوف من الفشل. أجرؤ على أقول أنني لم أكن أسوّف على الإطلاق حينها، كان هناك دائمًا شيء يلزم القيام به، وإذا كان إنجاز تلك الأعمال يعني وضع مسافة أكبر بيني وبين الوحش الذي يطاردني، فلِمَ الانتظار؟ [7] في حين أن ما يدفعني الآن، في كتابة المقالات، هو العيوب الموجودة فيها. بين المقالات، تجدني منزعجا لبضعة أيام، مثل كلب يدور حول نفسه بينما يقرر مكان الاستلقاء بالضبط. لكن بمجرد أن أبدأ في مقالة ما، لا أكون مضطرًا إلى دفع نفسي للعمل، لأنه يتعين عليّ دائمًا تصحيح بعض الأخطاء أو إكمال ما تم إغفاله في جانب ما.

ستجدني أبذلُ بعض الجهد للتركيز على مواضيع مهمة. العديد من المشاكل لها نواة صلبة في المركز، محاطة بأشياء أسهل عند الحواف. العمل الجاد يعني استهداف المركز بقدر ما تستطيع. في بعض الأيام قد لا تكون قادرًا على ذلك؛ في بعض الأيام، ستتمكن فقط من العمل على الأشياء الطرفية الأسهل. لكن يجب عليك أن تصوب دائمًا بالقرب من المركز قدر الإمكان ودون توقف.

السؤال الأكبر حول ما يجب أن تفعله في حياتك هو إحدى هذه المشاكل ذات النواة الصلبة. هناك مشاكل مهمة وصعبة في المركز، ومشاكل أقل أهمية وأسهل عند الحواف. بالإضافة إلى التعديلات اليومية الصغيرة التي ينطوي عليها العمل على مشكلة معينة، سيتعين عليك أحيانًا إجراء تعديلات كبيرة على مستوى حياتك حول نوع العمل الذي يجب القيام به. والقاعدة هي نفسها: العمل الجاد يعني التوجه نحو المركز - نحو أكثر المشاكل صعوبةً.

على الرغم من ذلك، أعني بالمركز الأساس الحقيقي للمشكلة، وليس مجرد الإجماع الحالي حول المركز. الإجماع غالبًا ما يخطأ في تحديد المشكلات الأكثر أهمية، سواء بشكل عام أو ضمن مجالات محددة. إذا كنت لا توافق على إجماع الناس حول أساس المشكلة وكنت على صواب، فقد يمثل ذلك فرصة ثمينة للقيام بشيء جديد.

أنواع الأعمال ذات الأفق الأكثر طموحا عادةَ ما تكون أكثر صعوبة، لا يمكننا إنكار ذلك، وعلى الرغم من هذه الحقيقة، لا ينبغي أن تتعامل مع أي صعوبة تواجهها في الأعمال على أنها دليل دامغ على أهمية العمل وأنه هو بالفعل ما يجب القيام به. إذا اكتشفت نوعًا ما من العمل الطموح، فسيكون ذلك بمثابة صفقة رابحة عليك اغتنامها بأية وسيلة، فحقيقة أنك اكتشفت ما يجب عليك القيام به تجعل القيام به أسهل عليك من الآخرين؛ إما بسبب القدرات التي صادف أنك تمتلكها، أو بسبب طريقة جديدة وجدتها للتعامل معها، أو ببساطة بسبب أنك أكثر حماسًا حيال ذلك الموضوع. يتم تنفيذ بعض أفضل الأعمال بواسطة الأشخاص الذين يجدون طريقة سهلة للقيام بشيء صعب. 

بالإضافة إلى ضرورة معرفة شكل العمل الحقيقي، تحتاج إلى معرفة النوع الذي يناسبك. وهذا لا يعني فقط معرفة نوع العمل الذي يتناسب تمامًا مع قدراتك الطبيعية؛ إذا كان طولك يبلغ 7 أقدام، لا يعني هذه بالضرورة أنه عليك أن تلعب كرة السلة. العمل الذي يناسبك لا يعتمد فقط على مواهبك، ولكن ربما يعتمد أكثر على اهتماماتك. الاهتمام العميق بموضوع ما يجعل الناس يعملون بجدية أكثر مما يستطيع أي قدر من الانضباط أن يفعل.

قد يكون اكتشاف اهتماماتك أصعب من اكتشاف مواهبك. هناك أنواع من المواهب أقل من أنواع الاهتمامات، ويبدأ الحكم على المواهب مبكرًا في مرحلة الطفولة، في حين أن الاهتمام بموضوعٍ ما يعدّ أمرا خفيًّا قد لا ينضج حتى العشرينات من العمر، أو حتى بعد ذلك، ربما لم يكن ما تهتم له موجودًا في وقت سابق. بالإضافة إلى أن هناك بعض مصادر الخطأ القوية التي تحتاج إلى تعلم كيفية استبعادها. هل أنت مهتم حقًا بـ (س)؟ أم أنك تريد العمل عليه لأنك ستجني الكثير من المال؟ أو لأن الآخرين سينبهرون بك؟ أو لأن والديك يريدون ذلك؟ [8]

تختلف صعوبة معرفة ما يجب العمل عليه بشكل كبير من شخص لآخر. هذا أحد أهم الأشياء التي تعلمتها عن العمل منذ أن كنت طفلاً. كطفل، يتولد لديك انطباع بأن لكل شخص حرفة ونداءٌ ما عليه تلبيته، وكل ما عليه فعله هو معرفة ماهية هذا النداء. هذه هي الطريقة التي تعمل بها الأفلام والسير الذاتية المبسطة التي يتم تغذيتها للأطفال. أحيانًا تكون هذه الطريقة هي فعلًا ما يحصل في الحياة الواقعية. بعض الناس يكتشفون ما يجب عليهم فعله وهم أطفال ويفعلونه مثل موزارت. لكن آخرين، مثل نيوتن، يتحولون بقلق من نوع إلى آخر. ربما -عند النظر للوراء- يمكننا تحديد ما كان نداء شخص ما – يمكننا أن نتمنى لو أن نيوتن قضى وقتًا أطول في الرياضيات والفيزياء وأقل في الكيمياء وعلم اللاهوت – لكن هذا مجرد وهم ناتج عن تحيز الإدراك المتأخر. لم يكن هناك صوتٌ يناديه ليسمع.

لذلك بينما تجد حياة بعض الناس تتمركز بسرعة حول ما يجب عليهم القيام به، سيكون هناك آخرون لا تتقارب حياتهم أبدًا. وبالنسبة لهؤلاء الأشخاص، فإن معرفة ما يجب العمل عليه ليس مجرد مقدمة للعمل الجاد – بل هو جزء مستمر من العمل الحقيقي، مثل مجموعة من المعادلات المتزامنة. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، تتضمن عملية اكتشاف العمل الجاد التي وصفتها سابقًا مكونًا ثالثًا: فجنبًا إلى جنب مع قياس مدى صعوبة عملك ومدى جودة أدائك، عليك التفكير فيما إذا كان عليك الاستمرار في العمل في هذا المجال أو التحول إلى مجال آخر. إذا كنت تعمل بجد، ولكنك لا تحصل على نتائج جيدة كافية، فيجب عليك التبديل. يبدو الأمر بسيطًا عند التعبير عنه بهذه الطريقة، ولكنه صعب جدًا من الناحية العملية. لا يجب أن تستسلم في اليوم الأول لمجرد أنك تعمل بجد ولم تصل إلى أي مكان. تحتاج إلى منح نفسك الوقت للمضي قدمًا. لكن كم من الوقت؟ وماذا يجب أن تفعل إذا توقف العمل الذي كان يسير على ما يرام عن كونه -على ما يرام؟ كم من الوقت تعطي نفسك بعد ذلك؟ [9]

ما هي النتائج الجيدة فعلًا؟ يمكن أن يكون من الصعب حقًا أن تقرر. إذا كنت تستكشف منطقة عمل فيها عدد قليل من الآخرين، فقد لا تعرف حتى كيف تبدو النتائج الجيدة. التاريخ مليء بأمثلة لأشخاص أساءوا تقدير أهمية ما كانوا يعملون عليه.

أفضل اختبار لمعرفة ما إذا كان من المجدي العمل على شيء ما هو ما إذا كنت تجده ممتعًا أم لا. قد يبدو هذا كإجراء شخصي خطير، لكنه على الأرجح الأكثر دقة الذي ستحصل عليه. أنت من يعمل على الأشياء. من هو في وضع أفضل منك للحكم على ما إذا كان مهمًا، وما هو أفضل مؤشر لأهميته من كونه مثيرًا للاهتمام؟

لكي ينجح هذا الاختبار، يجب أن تكون صادقًا مع نفسك. في الواقع، هذا هو الشيء الأكثر إثارة للدهشة حول السؤال الكامل للعمل الجاد: كيف يعتمد الأمر في كل نقطة على أن تكون صادقًا مع نفسك.

العمل الجاد ليس مجرد بذل كل ما تستطيع من جهد إضافي. العمل الجاد نظام ديناميكي معقد يجب ضبطه تمامًا في كل نقطة. عليك أن تفهم شكل العمل الحقيقي، وأن ترى بوضوح النوع الذي يناسبك، وتهدف إلى أقرب ما يمكنك من جوهره الحقيقي، وأن تحكم بدقة في كل لحظة على ما أنت قادر عليه وكيف تقوم به. و قدر الإمكان عليك أن تخصص لعملك أكبر عدد ممكن من الساعات كل يوم دون الإضرار بجودة النتيجة. هذه الشبكة من الشروط معقدة للغاية لدرجة لا يمكن خداعها. ولكن إذا كنت دائمًا صادقًا مع نفسك وتملك صورة واضحة، فستفترض الشبكة تلقائيًا الشكل الأمثل للعمل الحقيقي، وسوف تصبح شخصا منتجًا بطريقة لا يتقنها سوى عدد قليل من الناس.

ملاحظات

[1] في كتابي "The Bus Ticket Theory of Genius" قلت إن المكونات الثلاثة في العمل العظيم هي القدرة الطبيعية، والتصميم، والاهتمام. هذه هي الصيغة في المرحلة السابقة. التصميم والاهتمام ينتجان عن الممارسة والجهد.

[2] أعني هذا بقرار أيام وليس ساعات. غالبًا ما تصل إلى مكان ما أثناء عدم العمل بمعنى أن حل المشكلة يأتي إليك أثناء الاستحمام، أو حتى أثناء نومك، ولكن فقط لأنك كنت تعمل بجد في ذلك اليوم السابق. من الجيد أن أذهب في إجازة من حين لآخر، لكن عندما أذهب في إجازة، أحب أن أتعلم أشياء جديدة. لا أحب الجلوس على الشاطئ فقط.

[3] الشيء الذي يفعله الأطفال في المدرسة والذي يشبه إلى حد كبير الإصدار الحقيقي هو الرياضة. من المسلم به أن العديد من الألعاب الرياضية نشأت كألعاب تمارس في المدارس. لكن في هذا المجال وحده، على الأقل، يقوم الأطفال بما يفعله الكبار بالضبط. في المدرسة الثانوية الأمريكية العادية، لديك خيار التظاهر بفعل شيء جاد، أو القيام بشيء جاد للتظاهر. يمكن القول إن الأخير ليس أسوأ الخيارات. 

[٤] معرفة ما تريد العمل عليه لا يعني أنك ستكون قادرًا على ذلك. يتعين على معظم الناس قضاء الكثير من وقتهم في العمل على أشياء لا يريدون القيام بها، خاصة في وقت مبكر من حياتهم. ولكن إذا كنت تعرف ما تريد القيام به، فأنت على الأقل تعرف الاتجاه الذي تدفع به حياتك.

[٥] تقترح المهل الزمنية المنخفضة للعمل المكثف حلاً لمشكلة قضاء وقت أقل للعمل بعد إنجاب الأطفال: قم بالتبديل إلى المشكلات الأصعب. في الواقع لقد فعلت ذلك، ولكن ليس عن عمد.

[6] بعض الثقافات لديها تقاليد تتعلق بالعمل الجاد الادائي. لا أحب هذه الفكرة، لأنها (أ) تسخر من شيء مهم كالعمل الجاد ولأنها (ب) تجعل الناس يرهقون أنفسهم بفعل أشياء لا تهم. 
لا أعرف ما يكفي لأقول على وجه اليقين ما إذا كان جيدًا أم سيئًا بالإجمالي، لكن تخميني إن (العمل الجاد الادائي) سيء.

[7] أحد الأسباب التي تجعل الناس يعملون بجد في الشركات الناشئة هو أن الشركات الناشئة يمكن أن تفشل، وعندما تفشل، يميل هذا الفشل إلى أن يكون حاسمًا وواضحًا.

[٨] لا بأس في العمل على شيء ما لكسب الكثير من المال. أنت بحاجة إلى حل مشكلة المال بطريقة ما، ولا حرج في القيام بذلك بكفاءة من خلال محاولة كسب الكثير في وقت واحد. أفترض أنه سيكون من الجيد، حتى لو أنك تهتم بالمال للمال؛ افعل ما يحلو لك. فقط طالما أنك على دراية بدوافعك. الشيء الذي يجب تجنبه هو ترك الحاجة إلى المال دون وعي تشوه أفكارك حول نوع العمل الذي تجده أكثر إثارة للاهتمام.

[9] كثير من الناس يواجهون هذا السؤال على نطاق أصغر مع المشاريع الفردية. لكن من الأسهل إدراك وقبول طريق مسدود في مشروع واحد بدلاً من التخلي عن أحد أنواع العمل تمامًا. كلما كنت أكثر تصميماً، زادت صعوبة الأمر. 
مثل ضحية الإنفلونزا الإسبانية، حين تحارب جهاز المناعة الخاص بك: بدلاً من الاستسلام، يقول جهاز المناعة، يجب أن أحاول بجهد أكبر – ويقوم بمهاجمة الجسم نفسه. من يستطيع أن يقول حينها إنك لست على حق؟ 


 شكرًا لكلِ من جون كارماك وجون كوليسون وباتريك كوليسون وروبرت موريس وجيف رالستون وهارج تاجار لقراءة مسودات هذا المقال.


ترجمة: آمنة السناني 

يوليو 2021